الصفحة الرئيسية >مقالات مختارة

المجتمع المدني الفلسطيني والمشروع الوطني

26/08/2013
د. محمود محمد الحرثاني/ محاضر الدراسات الثقافية والترجمة، بجامعة الأقصى، غزة

 من أهم مقومات التطور وجود وعي لدى شرائح كبيرة من الأفراد تمتد في الزمان والمكان وتتحلى بمسؤولية سياسية تمكنها من المساهمة في بناء دولة مؤسسات ترسخ معاني المواطنة وتقود عجلة التقدم. ذلك هو "المجتمع المدني" الذي يمكن تعريفه بأنه المؤسسات والفعاليات التي تؤثر على الدولة قوةً وضعفاً، بل وجوداً وعدماً. هذا المجتمع المدني لا يظهر للوجود فجأة بقدر ما هو تراكمية ثقافية تتشكل تدريجياً بحيث تصبح أساً من أسس الاجتماع السياسي لا يمكن القفز على أهميته لدرجة أنه يصبح واحداً من أهم أربع ركائز تقوم عليها فكرة الإصلاح، حسب ما يؤكد الجابري، في كتابه في نقد الحاجة إلى الإصلاح (ص: 172). ولئن رفض الجابري أن يكون هناك مجتمع مدني في البلدان العربية، على اعتبار التوصيف القائل بأن المجتمع المدني هو مجموع الروابط والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي تقوم بمراقبة الدولة وحمايتها في آن، فإنه لم يستطع أن يرفض وجود تكتلات تشبه في مجموعها ما يمكن أن يسمى بالمجتمع المدني. وإنما رفض الجابري وجود مجتمع مدني عربي لأن الوظيفة الثانية (حماية الدولة) متعذرة في حالة ما يمكن أن يسمى "المجتمع المدني العربي".

لعلنا الآن في فلسطين أكثر من أي وقت مضى مطالبون بالاهتمام بمضامين هذا المفهوم ومآلاته لما له من تأثير على مسيرتنا، خاصة وأن عدد لا بأس به من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني الثمانمائة تتلقي دعماً من مؤسسات ليست خيرية في أصلها كالاتحاد الأوربي الذي تقول تقارير بأنه دعم مؤسسات المجتمع المدني بعشرة ملايين يورو خلال العام 2011. وجه الخطورة هنا أن بعض هذه المؤسسات لا تملك إدراج الأجندة الوطنية في برامجها، مما يعرض المشروع الوطني برمته للخطر. وربما كان كتاب وطن للبيع لخليل نخلة شاهد على أن التمويل الخارجي لا يراد منه تطوير المجتمع والرقي به تماماً. وعليه تصبح علاقة الكل الوطني ملتبسة مع بعض هذه المؤسسات التي تلعب، على حد تعبير عزمي بشارة، "دوراً مشبوهاً، دور القابلة المتسترة على عملية إجهاض سياسية، عملية لا-تسييس، أو دور العميل المزدوج الذي يعادي السياسية باسم الديمقراطية، ثم يدير ظهره للديمقراطية باسم كونها معركة سياسية، ليس خوضها هو الواجب" (المجتمع المدني، ص: 22).

ومما يعزز أهمية التعاطي مع هذا المفهوم، هو ما نلاحظه اليوم من وجود مؤسسات مجتمع مدني قادرة في دول الربيع العربي وخاصة مصر التي أصبحت فيها الدولة وعلى رأسها السلطة المنتخبة في حالة ارتباك وجودي. هذا الارتباك عائد، ولو جزئياً، إلى نشاطات تلك المؤسسات التي تقوم بمهمة واحدة فقط: مراقبة الدولة دون الاهتمام بحمايتها، وهذه هي كلمة السر في تدفق التمويل الخارجي على هذه المؤسسات. مراكز الدراسات والأبحاث أو ما يسمى بالإنجليزيةThink Tanks (تأمل المعنى الحرفي: دبابات تفكير)، تقف على قمة الهرم في قدرتها على إحداث اختراقات في عملية البناء، أو الهدم، ذلك أنها موئل النخب الفكرية من باحثين ومثقفين وباحثين وإعلاميين يمكن أن يستثمروا كل إمكانياتهم من أجل التنظير لفكرة أو عكسها. ولأنهم يشكلون رافعة قوية، أو آلة هدم فتاكة، فإن على الدولة أن تعتني بهم إذا أرادت لنفسها وللمجتمع خيراً، فهم لديهم قدرة على ملء فراغ لا يمكن للدولة أن تملأه. والأهم من ذلك هذه النخب إذا أُهملت فربما تصبح معول هدم منظم لا تستطيع الأمة درؤه بسهولة.  

أثناء الحرب الباردة استشعرت دوائر الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية بأن الصراع "أخطر من أن يترك لأجهزة الدولة الأمريكية وحدها" وكان السبب أن أجهزة هذه الدولة قد تحسن تنفيذ السياسات ولكنها لا تحسن "صنع الأفكار القادرة على رسم سياسات". أضيف إلى ذلك إدراك صانع القرار الأمريكي بأن "المفكرين عنصر قلق في مجتمعاتهم"، وبالتالي فقد قررت الدولة البحث عن "إطار مقبول ومحترم يحتوي الفكر المستعد للجنوح، ثم يعيد توجيه طاقته وحيويته بحيث يضيف للمشروع الأمريكي ولا يخصم منه لصالح خصومه. هؤلاء المفكرون والكتاب لا يمكن استمالتهم بالطرق التقليدية وعليه فقد فكرت الدولة في إنشاء وضع لائق يعمل هؤلاء من خلاله لصالح الأمة. وكان الوضع الأمثل هو المؤسسة.

وعليه فقد صدرت الإشارة بتأسيس ما عرف فيما بعد بـ "خزانات التفكير" (أو دبابات التفكير) التي تم تأهيلها لاستيعاب مئات وآلاف من المؤهلين لصناعة الفكر، "يحصلون فيه على أعلى المكافآت لكي ينطلقوا ثم تكون أفكارهم من الداخل قابلة للتأثير على الخارج". وقد راقت تلك الفكرة الرئيس ترومان الذي استحسن أن يكون هؤلاء المفكرين "ذوي الشعر المنكوش" داخل المؤسسة وأن "تتجه أحجارهم إلى الخارج بدلاً من أن يكونوا في الخارج وتتجه أحجارهم إلى الداخل".(هيكل: الإمبراطورية الأمريكية، ص: 254). الواقع أن الولايات المتحدة الآن تطبق نفس الاستراتيجية الآن مع الوطن العربي، حيث تركز على توظيف النخب في مؤسسات "لائقة نظيفة" تسميها "مؤسسات مجتمع مدني"، و تغدق على أفرادها. وقد نستيقظ فجأة على نخب مؤهلة تلقي حجارتها إلى الداخل تحت مظلة البحث العلمي والموضوعية الأكاديمية في وقت سيكون المشروع الوطني في أشد الحاجة لمثل هؤلاء. وإذا كان الوطن العربي كله مستهدف، فربما تكون فلسطين وشبابها ومفكريها أشد استهدافاً. إن لدى الشعب الفلسطيني طاقات هائلة من الشباب والشابات الواعدين الذين لا نعرف بالضبط إلى أين، وعلى من، ومتى، وكيف، سيوجهون حجارتهم وتحت أي مسمى من مسميات "المجتمع المدني". إن المشروع الوطني الفلسطيني بحاجة إلى هؤلاء ماسة، وعليه فإن الاستثمار فيهم، وبهم، ولهم، هو واجب الوقت، ربما.



المزيد من الصور

مواضيع أخرى ذات علاقة

أحدث المواضيع

مؤتمرات وحلقات نقاش
الشباب الفلسطيني يداً بيد لمواجهة التحديات

27/01/2018

مؤتمرات وحلقات نقاش
الشباب الفلسطيني يداً بيد لمواجهة التحديات

27/01/2018

مؤتمرات وحلقات نقاش
دور وسائل الأعلام في تعزيز وتكريس المصالحة

16/01/2018

أخبار المركز
مداد يحصل على المرتبة الأولى فلسطينياً حسب تقييم معهد لورد - جامعة بنسلفانيا

01/03/2016

حلقات النقاش
المركز المعاصر للدراسات يعقد ندوة حوارية بعنوان الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية

14/06/2015

حلقات النقاش
مداد يعقد حلقة نقاش بعنوان الانتخابات الإسرائيلية الآثار والتداعيات

28/03/2015

حلقات النقاش
ندوة بعنوان: استراتيجية التدويل، الفرص والتحديات

05/02/2015

أخبار المركز
"مداد" ينظم حلقة نقاش تلفزيونية بعنوان "الدور المجتمعي في تفعيل الوحدة الوطنية .. الحريات والانتخابات"

23/10/2014

 
 

جميع الحقوق محفوظة | تصميم وتطوير ماستروي