الصفحة الرئيسية >مقالات مختارة

تصعيد ذو أبعاد استراتيجية


22/11/2010
طلال عوكل

تصعيد ذو أبعاد استراتيجية
 
في قطاع غزة، تتصاعد التساؤلات بشأن أبعاد وأهداف التصعيد العسكري الإسرائيلي الذي اتخذ طابعاً نوعياً، من حيث طبيعة الاستهدافات، والوسائل التي اعتمدت للتنفيذ.
التساؤلات، لا تتوقف على السياسيين والمتابعين للشؤون العامة، بل أخذت طريقها بصورة متزايدة، الى المواطنين، الذين خبروا عبر التجربة الطويلة مع الاحتلال، معاني وأبعاد مثل هذا التصعيد.
في داخل القطاع لا يكاد المواطن يلمس أي نشاط للجماعة المسماة جيش الإسلام، أو جند الله، حتى يصدق أن ثمة ما يستدعي تركيز الاغتيالات الإسرائيلية على كوادر هذه الجماعة خصوصاً وأن الطابع العام للفصل الفلسطيني في مجابهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، يتسم بالهدوء، إدراكاً لحقيقة أن اسرائيل تسعى وراء توفير مبررات كافية لارتكاب عدوان واسع.
في الثاني من هذا الشهر أقدمت اسرائيل عبر وسائلها الجوية على اغتيال الشاب محمد النمنم الذي وصفته بأنه القائد العسكري لجيش الإسلام، وكأن هذه الجماعة تملك أذرعاً عسكرية وأخرى تنظيمية وسياسية وجماهيرية، وفي ثاني أيام العيد أي في السابع عشر من الشهر الجاري استهدفت بوسائل مشابهة الشابين إسلام وأحمد ياسين، وأيضاً بدعوى أن إسلام أحد الكوادر العسكرية لجيش الإسلام.
وفي اليوم التالي على اغتيال الأخوين ياسين، قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية منازل في وسط وجنوب القطاع، رداً على صاروخ غراد أطلقته جماعة لم تعلن مسؤوليتها عن ذلك.
وعلى الرغم من أن عملية الاغتيال الأولى التي استهدفت النمنم، تزامنت مع أنباء عن نية مجموعات "إرهابية" تنفيذ عمليات في سيناء وعبرها في إسرائيل، تستهدف سياحاً أميركيين وإسرائيليين وأجانب نقول بالرغم من ذلك، ومن اتهامات للنمنم بضلوعه في التخطيط، إلا أن المسألة تذهب الى ما هو أبعد من ذلك.
بمعنى آخر، فإن عمليات الاغتيال، لا تندرج في إطار الأعمال الوقائية تحسباً لوقوع عمليات، أدت بإسرائيل لتحذير رعاياها وسياحها، الموجودين في مصر، وطالبتهم بالعودة، وإنما تندرج في سياق آخر يتصل بادعاءات إسرائيلية بضرورة ملاحقة هذه الجماعات التي تصر اسرائيل على ربطها بالقاعدة.
أي أن اسرائيل تحاول أن تسوق للعالم الخارجي بأنها تلاحق ما تسميه الإرهاب الذي ترعاه حركة حماس التي تسيطر على قطاع غزة، ولا تحرك إزاءه ساكناً وفق الادعاءات الإسرائيلية، كان من الغريب أن تعلن اسرائيل، بأنها قامت بالتنسيق مع الولايات المتحدة عند اغتيالها النمنم، حتى ظن البعض أن المسألة تقع في إطار مبادرة اسرائيل لخدمة الولايات المتحدة، ولكن السؤال هو لماذا اختارت اسرائيل ملاحقة جماعة جيش الإسلام ولماذا في هذا الوقت وما هي المقاصد الأساسية من وراء هذا التصعيد.
في الواقع فإن اسرائيل لا تتوقف عن المبالغة في الحديث عن "الترسانة" العسكرية لحركة حماس، ولا تتوقف عن ربط الحركة بإيران وسورية، وحزب الله الذين تتوعدهم بحروب دامية.
منذ بعض الوقت تقوم اسرائيل بإجراء تدريبات عسكرية لبعض القطاعات في جيشها على مناطق مكتظة بالسكان، وبضمن ذلك تقوم بتدريب ضباط إدارة مدنية لتحسين أداء جيشها في التعامل مع السكان، حتى ظن البعض أن اسرائيل تحضر نفسها لإعادة احتلال قطاع غزة، والعودة لاحتلال الضفة الغربية، كاحتمال وارد رداً على الموقف الفلسطيني من النشاطات الاستيطانية وتعطل عملية المفاوضات.
خلال الفترة الطويلة الماضية، لم تتوقف اسرائيل عن ارتكاب الاعتداءات على قطاع غزة، وكان الغرض دائماً استدراج ردود فعل من قبل المقاومة، تمهيداً لارتكاب عدوان واسع، غير ان الفصائل ذات الأبعاد السياسية فوتت على اسرائيل هذه الفرصة، فيما أبدت "حماس" وعياً لهذه الأهداف فبادرت الى ضبط الأمور، ومنع إطلاق الصواريخ.
استهداف جماعة جيش الإسلام، يشير الى أن اسرائيل تواصل البحث عن ذرائع وردود أفعال فلسطينية، إذ إن هذه الجماعة معروفة بمحدوديتها، وطابعها العسكري، وبالتالي فإنها قد لا تأخذ بالحسابات السياسية التي تأخذ بها الفصائل الفلسطينية العريقة.
وبالإضافة الى ذلك، فإن اسرائيل تستطيع تسويق ادعاءاتها بأن هذه الجماعة تنتمي الى القاعدة، وأنها تشكل خطراً ليس على أمن اسرائيل وحدها، وهكذا تبدو اسرائيل وكأنها تلاحق ما تسميه الإرهاب لحماية مصالح الآخرين.
إن هذه الفزاعة، التي تحاول أن تضفي على قطاع غزة، طابع الإرهاب أو الملاذ الآمن للهاربين من بلدان أخرى مجاورة، بما يضاعف المخاطر الأمنية والعسكرية المحتملة من القطاع، إن هذه الفزاعة ليست سوى حلقة من حلقات البحث الإسرائيلي الحثيث لمراكمة الذرائع والمبررات لارتكاب عدوان كبير على قطاع غزة في الطريق لشن حروب أخرى تسعى وراءها تل أبيب على مستوى الإقليم، وعنوانها الملف النووي الإيراني.
غير أن هذا التصعيد ليس معزولاً البتة عن السياسة العامة الإسرائيلية التي تبحث عن مخارج ومهارب من العملية السلمية، وعقدة الاستيطان التي تتسبب في تعطيل المفاوضات، ولا هو معزول عن رؤية اسرائيل لجملة الملفات المفتوحة على أزمات كبيرة في المنطقة والإقليم بشكل عام، تلك الملفات التي تندرج في سياق استراتيجيات كبرى مرسومة للمنطقة تحت عنوان "شرق أوسط جديد".
إزاء مثل هذه الاستراتيجيات التي تعتمد سياسة تقسيم المقسم، على غرار مؤامرة سايكس بيكو العام 1916، لا يمكن لإسرائيل أن تقف جانباً، وتنتظر ما يفعله الآخرون بحثاً عن مصالحهم، ولذلك نجدها كل الوقت تحرض الولايات المتحدة والمجتمع الدولي على الانتقال في طريقة التعامل مع إيران من أسلوب العقوبات إلى الأسلوب العسكري.
فضلاً عن ذلك لا يمكن أن نعزل هذا التصعيد في هذا الوقت بالذات عن التفاهمات الأمنية والاستراتيجية التي حققتها اسرائيل مؤخراً مع الولايات المتحدة، والتي تستمد منها اسرائيل التغطية المطلوبة لتصعيد عدواناتها وحروبها في المنطقة ابتداء من قطاع غزة.
وانطلاقاً من هذه التفاهمات ثمة من يعتقد أن الأشهر الثلاثة التي تقترحها واشنطن لتجميد الاستيطان جزئياً ولمرة أخيرة، ستكون حبلى بالكثير من المتغيرات، والكثير من الحروب التي قد تتجاوز المحيط القريب لإسرائيل.
 



المزيد من الصور

مواضيع أخرى ذات علاقة

أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
البريد الإلكتروني
الموقع الإلكتروني
التعليق
يرجى الاجابة 8 + 7 = *

تعليقات الزوار

أحدث المواضيع

مؤتمرات وحلقات نقاش
الشباب الفلسطيني يداً بيد لمواجهة التحديات

27/01/2018

مؤتمرات وحلقات نقاش
الشباب الفلسطيني يداً بيد لمواجهة التحديات

27/01/2018

مؤتمرات وحلقات نقاش
دور وسائل الأعلام في تعزيز وتكريس المصالحة

16/01/2018

أخبار المركز
مداد يحصل على المرتبة الأولى فلسطينياً حسب تقييم معهد لورد - جامعة بنسلفانيا

01/03/2016

حلقات النقاش
المركز المعاصر للدراسات يعقد ندوة حوارية بعنوان الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية

14/06/2015

حلقات النقاش
مداد يعقد حلقة نقاش بعنوان الانتخابات الإسرائيلية الآثار والتداعيات

28/03/2015

حلقات النقاش
ندوة بعنوان: استراتيجية التدويل، الفرص والتحديات

05/02/2015

أخبار المركز
"مداد" ينظم حلقة نقاش تلفزيونية بعنوان "الدور المجتمعي في تفعيل الوحدة الوطنية .. الحريات والانتخابات"

23/10/2014

 
 

جميع الحقوق محفوظة | تصميم وتطوير ماسترويب