الصفحة الرئيسية >مقالات مختارة

مقاومة وصمود غزة يستحقان إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية


02/09/2014
جميل هلال

تستدعي قراءة دلالات وارتدادات الحرب الأخيرة على قطاع غزة وضعها في سياق سلسلة الحروب والمجازر التي قادتها إسرائيل منذ قيامها وحتى اليوم على الشعب الفلسطيني. فهي لن توقف حروبها هذه ما دام الشعب الفلسطيني يصر على روايته التاريخية وعلى تمسكه بحقوقه الوطنية حتى وإن اختزلت إلى حدود دنيا وجارحة كما  جرى في اتفاق أوسلو. بدون هذا يصعب تفسير قيام إسرائيل بشن  خمس حروب فلسطينية منذ اتفاق أوسلو (حرب النفق عام 1996، واجتياح  الضفة العام 2002، حروب إسرائيل الثلاث على غزة منذ العام 2008). وهي  "حروب"  خاضتها إسرائيل على شعب واقع يرزح تحت احتلالها، وكانت قد وطاردته حروبها واغتيالاتها في الشتات (أبرزها اجتياح لبنان وحصار بيروت في العام  1982 واغتيال أبو جهاد في تونس، وحصارها للرئيس الفلسطيني أبو عمار في رام الله....). وارتكبت عشرات المجازر المروعة ضد مخيماته وقراه ومدنه في تجمعاته المختلفة وفق مقتضيات سياسة  تقوم على تفتيت الشعب الفلسطيني و"كي وعيه"  الوطني.  لذا   نجد أن إسرائيل  لم تغيير سياستها تجاه الشعب الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو، بل استخدمته  للتعجيل في استيطانها للأرض حيث تضاعف عدد مستوطنيها في الضفة الغربية ثلاث منذ اتفاق أوسلو، وهي واصلت سياسة الاعتقال الإداري واعتمدت سياسة  وضع الفلسطينيين في معازل، وبنت جدارها الفاصل  وشيد ت الطرق الالتفافية العنصرية واستمرت في تهويد القدس وفي تثبيت السيطرة على المعابر و الموارد  الطبيعية، وفي تهميش اقتصاد الضفة والقطاع وترسيخ نظام الأبرتايد ليشمل كل الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وخارجه ( ومن هنا دعوة إسرائيل الفلسطينيين إلى الاعتراف بها كدولة يهودية).

 

أمام هذا يجدر الالتفات إلى القضايا التالية:

 أولا، الحاجة العاجلة إلى إعادة تأهيل الحركة الوطنية الفلسطينية،  وتشييد  مؤسساتها بما لا يستثني أي من القوى السياسية الفلسطينية الحية، ولا أي من التجمعات الفلسطينية داخل فلسطين التاريخية وخارجها. نحن بحاجة  لحركة وطنية جديدة قادرة على إنجاز إستراتيجية تشترك كل تجمعات الشعب الفلسطيني وقواه في صنع القرار الوطني كما في  النضال التحرري  ووفق الأشكال الكفاحية الملائمة والناجعة لكل منها. ومن الواضح  أن  إحباط استكمال الوحدة الوطنية (وبخاصة بين فتح وحماس) كان من أبرز دوافع العدوان الإسرائيلي على الضفة الغربية المحتلة أولا  وتحويلها لحرب عدوانية على غزة ثانيا. ما تريده إسرائيل هو تجزئة الشعب الفلسطيني جغرافيا وسياسيا ومؤسساتيا وطائفيا، وعول قطاع غزة عن الضفة الغربية وكليها عن القدس، والأراضي المحتلة عام1967 عن الأراضي التي احتلت عام 1948، وإبقاء الشتات خارج حدود فلسطين.  لذا تستدعي اللحظة التاريخية الراهنة إنجاز حركتي  "حماس" و"فتح"  (وبإشراك القوى السياسية الأخرى) تسوية تاريخية تحدد طبيعة المرحلة وأهداف وأشكال النضال وسبل إشراك  تجمعات الشعب الفلسطيني في تكويناته المختلفة في النضال الوطني، واستثمار رصيد  التعاطف والتأييد العربي والإقليمي والدولي لنضال الشعب الفلسطيني التحرري  لفرض العزلة  والمقاطعة الدوليتين على إسرائيل.  ودراسة سبل الانفكاك السريع من أسر اتفاق أوسلو و عبثية المفاوضات الثنائية والرهان على أمريكا وعلى المحاور الإقليمية، وتحفيز المقاومة بأشكالها المتنوعة السياسية والفكرية والثقافية والدبلوماسية والجماهيرية والمسلحة وفق مقتضيات الموقع والمرحلة والحالة الجماهيرية.

 

ثانيا، الحذر الشديد من حصر المطلب الفلسطيني بالدعوة إلى وقف إطلاق النار. فهذا يخدم إستراتيجيه إسرائيل في لما يشكله من تضليل وتزييف لأنه يخفي حقيقة أن أحد الطرفين (شعب غزة) يقبع تحت الاحتلال والحصار وعدوان عنصري، وهو في حالة دافع عن النفس ومحرم عليه ممارسة  حقه في الحرية وفي مجابهة القوة التي تحتل أرضه وتشرد شعبه وتحول دون  ممارسة هذا الشعب لحقه في تقرير المصير.  لذا ينبغي التركيز على إنهاء الحصار الذي يسيّج مليونا وثمانمائة ألف شخص بالحرمان والبؤس والموت التدريجي.

 

وفي هذا السياق من الضروري الانتباه  إلى أن من يتبنى مقولة أن لإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها ضد قوى المقاومة إنما  يدعم  دولة الاستعمار الاستيطاني  واستمرار احتلالها وممارستها العنصرية ضد شعب فلسطين.  لذا لا ينبغي أن تغيب أولوية رفع الحصار عن غزة وحقها في الترابط  مع الضفة الغربية، وضرورة إطلاق سراح الأسرى (فهم مناضلون حرية).  على أن يترافق مع المباشرة في ورشة عمل لإعادة  تشييد وتوحيد  واستنهاض الحركة الوطنية وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية  كقضية تحرر وطني لشعب يناضل من أجل التحرر من أبشع استعمار استيطاني عنصري في التاريخ المعاصر. إن هذه هي أداة إستراتيجية عزل إسرائيل سياسيا وأخلاقيا ودوليا وتوليد توازن قوى جديد. وما يثير الاستغراب والعجب هو التردد والتلكؤ في انضمام فلسطين إلى المعاهدات والاتفاقات الدولية التي تتيح محاكمة قادة إسرائيل على ما ارتكبوه ويرتكبوه يوميا من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

 

ثالثا،  من الحكمة أن تستذكر الحركة الفلسطينية بعض صفحات تاريخها الراهن.  من هذه الصفحات ما يحذر بشدة من إبرام  اتفاقات أو تفاهمات من دون تأمين ما يكفل تنفيذها على الأرض ويحول دون التهرب من ذلك. وعلينا أن  لا ننسى ما جرى بعد الخروج من بيروت عام 1982 وبعد ما يقرب من صمود  ومقاومة باسلة  استمرت قرابة  ثلاثة أشهر في مواجهة حصار وقصف وتدمير. فلم تتضمن شروط الخروج من بيروت ضمانات ملموسة وواضحة لحماية المخيمات بضمانات من محاولات  الاستفراد بها سواء من إسرائيل أو من قوى محلية موتورة. ومن هنا كانت مجزرة صبرا وشاتيلا بعد  نحو أسبوعين  من خروج المنظمة من لبنان.  وتبع ذلك  بعد سنوات قليلة حروب على بعض هذه المخيمات. ويفيد هنا التذكير بأن إسرائيل التي وافقت على اتفاقية الهدنة عام 2012  تجاهلت تطبيق  العديد من بنودها على الأرض، كما لم تلتزم بشروط إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي شاليط ، إذ عادت واعتقلت الكثير ممن أطلقت سراحهم بعد اختطاف وقتل اثنين المستوطنين في منطقة الخليل.

 

 ومن صفحات  التاريخ الفلسطيني  القريب ما يستدعي الحذر الشديد من العودة إلى الوقوع في شباك المحاور العربية والإقليمية والدولية، فهذه المحاور  المتداخلة دفعت إلى الاستقطاب الداخلي  والانكشاف الشديد لتأثيرات وضغوط وأجندات هذه المحاور، وقادت الحركة الفلسطينية إلى انقسام مدمر لم تنجح حتى اللحظة من الخروج منه. ويكفي التمعن في واقع عديد الدول العربية لإدراك حجم الدمار والمآسي والتمزق الذي تركه الالتحاق بمحاور عربية وإقليمية ودولية وما يجري من عنف طائفي ومن شقاء سياسي واجتماعي واقتصادي وتقهقر ثقافي وحضاري. والحالة الفلسطينية لم تكن بعيدة، في العقدين الأخيرين وقعت في مصيدة هذا المحور أو ذلك قاد إلى شق  الحركة الوطنية وتسويغه بشعارات متهافتة.

 

فلا مفر من حماية استقلالية الحركة الوطنية الفلسطينية من تدخلات وضغوط المحاور الإقليمية  والدولي، عبر وحدة وطنية تقوم على أسس وطنية وديمقراطية وتمثيلية شاملة (بعيدة عن التفرد والاستفراد الفصائلي والعقائدي). فلم يعد خفيا ما تولد عن الارتهان إلى هذه المحاور من تخريب للحركة الفلسطينية.  ولا يخفي الخراب  الذي جلبه الرهان على الولايات المتحدة  رغم سطوع وضوح عدائها للشعب الفلسطيني (ولشعوب المنطقة) وما تحمله من انحياز سافر للعنصرية التوسعية الإسرائيلية.

 

خلاصة الأمر أن العدوان على غزة  والصمود المبهر لشعب غزة  وأداء المقاومة المشرف والرادع لاندفاع العدوانية العنصرية الإسرائيلية قد وفر حالة انتعاش وطني  ينبغي استثمارها لصالح  إعادة نظر جماعية في تجديد بنية ومرجعيات  وإستراتيجية وبرنامج الحركة الوطنية الفلسطينية يبنى على التشارك والتحرر من ضغوط وتدخلات المحاور الإقليمية والدولية ومن قيود  اتفاقيات أوسلو.  كما أشار التضامن الرائع لمكونات الشعب الفلسطيني  كافة (داخل فلسطين وفي الشتات) كم نحن  بحاجة إلى إطلاق العنان لإبداعات الوطنية الفلسطينية في اندفاعاتها الكفاحية المتنوعة ضد الاحتلال والحصار والتمييز والعنصرية  والظلم وللتحرر كل ما هو ظلامي ومدمر  لقيم الحرية والمساواة والعدالة.

 

 ولعل الدعوة إلى التئام  الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير مؤشر على بداية الصحوة لقيادات الفصائل الفلسطينية بأهمية إعادة بناء منظمة التحرير كإطار جامع لحركة تحرير وطنية، وليس كمسوغ لسلطة تحتفل بالتنسيق الأمني مع دولة استعمارية استيطانية عنصرية.

 

ملاحظة: ستنشر هذه المادة على موقع لمؤسسة الدراسات الفلسطينية مخصص للعدوان على غزة.



المزيد من الصور

مواضيع أخرى ذات علاقة

أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
البريد الإلكتروني
الموقع الإلكتروني
التعليق
يرجى الاجابة 5 + 5 = *

تعليقات الزوار

أحدث المواضيع

مؤتمرات وحلقات نقاش
الشباب الفلسطيني يداً بيد لمواجهة التحديات

27/01/2018

مؤتمرات وحلقات نقاش
الشباب الفلسطيني يداً بيد لمواجهة التحديات

27/01/2018

مؤتمرات وحلقات نقاش
دور وسائل الأعلام في تعزيز وتكريس المصالحة

16/01/2018

أخبار المركز
مداد يحصل على المرتبة الأولى فلسطينياً حسب تقييم معهد لورد - جامعة بنسلفانيا

01/03/2016

حلقات النقاش
المركز المعاصر للدراسات يعقد ندوة حوارية بعنوان الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية

14/06/2015

حلقات النقاش
مداد يعقد حلقة نقاش بعنوان الانتخابات الإسرائيلية الآثار والتداعيات

28/03/2015

حلقات النقاش
ندوة بعنوان: استراتيجية التدويل، الفرص والتحديات

05/02/2015

أخبار المركز
"مداد" ينظم حلقة نقاش تلفزيونية بعنوان "الدور المجتمعي في تفعيل الوحدة الوطنية .. الحريات والانتخابات"

23/10/2014

 
 

جميع الحقوق محفوظة | تصميم وتطوير ماستروي